الجصاص
144
أحكام القرآن
اسم للوطء وأنه مراد بالآية وأن اسم الدخول لا يختص بوطء نكاح دون غيره ، أنه لو وطئ الأم بملك اليمين حرمت عليه البنت تحريما مؤبدا بحكم الآية ، وكذلك لو وطئها بنكاح فاسد ، فثبت أن الدخول لما كان اسما للوطء لم يختص فيما علق به من الحكم بوطء بنكاح دون ما سواه من سائر ضروب الوطء . ويدل عليه من جهة النظر أن الوطء آكد في إيجاب التحريم من العقد ، لأنا لم نجد وطأ مباحا إلا وهو موجب للتحريم ، وقد وجدنا عقدا صحيحا لا يوجب التحريم وهو العقد على الأم لا يوجب تحريم البنت ولو وطأها حرمت ، فعلمنا أن وجود الوطء علة لإيجاب التحريم ، فكيفما وجد ينبغي أن يحرم مباحا كان الوطء أو محظورا لوجود الوطء ، لأن التحريم لم يخرجه من أن يكون وطئا صحيحا ، فلما اشتركا في هذا المعنى وجب أن يقع به تحريم . وأيضا لا خلاف أن الوطء بشبهة وبملك اليمين يحرمان مع عدم النكاح ، وهذا يدل على أن الوطء يوجب التحريم على أي وجه وقع ، فوجب أن يكون وطء الزنا محرما لوجود الوطء الصحيح . فإن قيل : إن الوطء بملك اليمين وبشبهة إنما تعلق بهما التحريم لما يتعلق بهما من ثبوت النسب ، والزنا لا يثبت به النسب فلا يتعلق به حكم التحريم . قيل له : ليس لثبوت النسب تأثير في ذلك ، لأن الصغير الذي لا يجامع مثله لو جامع امرأته حرمت عليه أمها وبنتها ولم يتعلق بوطئه ثبوت النسب ، ومن عقد على امرأة نكاحا تعلق بعقد النكاح ثبوت النسب قبل الوطء حتى لو جاءت بولد قبل الدخول وبعد العقد بستة أشهر لزمه ولم يتعلق بالعقد تحريم البنت ، فإذ كنا وجدنا الوطء مع عدم ثبوت النسب به يوجب التحريم والعقد مع تعلق ثبوت النسب به لا يوجب التحريم ، علمنا أنه لاحظ لثبوت النسب في ذلك وأن الذي يجب اعتباره هو الوطء لا غير . وأيضا لا خلاف بيننا وبينهم أنه لو لمس أمته لشهوة حرمت عليه أمها وابنتها ، وليس للمس حظ في ثبوت النسب ، فدل على أن حكم التحريم ليس بموقوف على النسب وأنه جائز ثبوته مع ثبوت النسب وجائز ثبوته أيضا مع عدم ثبوت النسب . ويدل على صحة قول أصحابنا أنا وجدنا الله تعالى قد غلظ أمر الزنا بإيجاب الرجم تارة وبإيجاب الجلد أخرى وأوعد عليه بالنار ومنع إلحاق النسب به ، وذلك كله تغليظ لحكمه ، فوجب أن يكون بإيجاب التحريم أولى إذ كان إيجاب التحريم ضربا من التغليظ ، ألا ترى أن الله تعالى لما حكم ببطلان حج من جامع امرأته قبل الوقوف بعرفة كان الزاني أولى ببطلان الحج لأن بطلان الحج تغليظ لتحريم الجماع فيه ؟ كذلك لما حكم الله بإيجاب تحريم الأم والبنت بالوطء الحلال وجب أن يكون الزنا أولى بإيجاب التحريم تغليظا لحكمه .